الأربعاء، 6 يناير 2010

فلسفة الحب-نجيب محفوظ

كتبها:نجيب محفوظ
نشرتها:المجلة الجديدة
تاريخ النشر:أكتوبر 1934

فلسفة الحب

الحب هو تلك النسمة الحية التي تشيع في جميع الكائنات الحية نبصرها في تآلف
الخلايا وتجاذب الأطيار وتزاوج الإنسان، وقد يكون من الحكمة - إذا رغبنا في أن نذكى
إحساسنا به أو نسمو بعواطفنا فيه – أن نقصد جماعة الشعراء نصغي لأناشيدهم وقد
وهبهم الله من طاقه الإحساس ﺑﻬذه العاطفة وغيرها ما يبلغهم مناهم من تصوير العواطف
العميقة حيث يقف العقل حائرا مترددا. فما علاقة الفلسفة بالحب الحق ؟ أن أي فلسفة
هي وجهة نظر يفسر ﺑﻬا الفيلسوف مختلف الحقائق ولما كان الحب أحدى هذه الحقائق
فللفلسفة رأيها عنه أو قل فللفلسفات المختلفة آراؤها المختلفة عنه، فواجب علينا نحو
أنفسنا أن نعرف هذه الآراء. نعم أن الحب عاطفة ولكن المعرفة التامة للعاطفة لا تتطلب
فقط إحساسنا ﺑﻬا وإنما يجب أن يضاف إلى ذلك امتحان وتكييف العقل لها حتى تملأ
حقيقتها القلب والعقل فيظفر العارف بمتعة الظافر بالنور بعد التخبط في الظلام ويحس
إحساس المطمئن بعد التردي في مهاوى القلق والشك.
وأول ما يخطر على بال الباحث هو هذا السؤال ما أصل الحب ؟ وتجيبنا الفلسفة
إجابات مختلفات بعضها يرجع للمذهب الواقعي وبعضها للمذهب التصوري وتغلب على
البعض الآخر الأبحاث العلمية المادية وفي كل من هذه الآراء نجد جانبًا من الحقيقة.
وقبل أن نتكلم عن هذه المذاهب المختلفة يحسن بنا أن نذكر مذهبًا ساذجًا نبت في
العقول البسيطة الأولى وترك آثاره في معتقدات بعض الجماهير وخلدت اللغة الشعرية –
باستعاراﺗﻬا وتشبيهاﺗﻬا – معالمه، يفسر هذا الرأي في الحب بالسحر ويقول أن المحبوب
يحب بقوة سحرية تكمن فيه هي التي تمكنه من القلوب والأهواء ومن هنا جاء الاعتقاد
بأن بعض الأعمال السحرية قد توقع في شراك الحب من كان عاصيًا أو أﻧﻬا ترجع إلى
وكر الحبيب من جذبه هوى جديد أو صرفه ملل وسأم، و لغة الغرام تدل على هذه
العقلية ومازال ألفاظ السحر ترادف ألفاظ الغرام.
لكن العقل لا يسلم للسحرة بآرائهم ولا يؤمن بالسحر لأن للعقل منطقًا ثابتًا وليس
للسحر منطق ما ولأن السحر يمثل حالات فردية خاصة وأحوالا شاذة لا تخضع لقانون أما
العقل فتراع إلى معرفه القانون لكل حادثة بحاث عن الحقيقة الواحدة المشتركة بين
ظاهرات مختلفة الظاهر. لذلك كله فهو ينبذ فكرة السحر ويرى في الحب رأيا آخر، يقول
أننا لا نحب لمرآه ولا البحيرة ولا الأﻧﻬار ولا الأوطان ولكننا نحب الكمال، إذ أن هناك
كمالات وسجايا تترع إليها قلوب البشر بالمحبة فإذا لقيتها في شيء جامد أو حي اختصته
ﺑﻬواها، أي أن المحبوب لا شأن له في الحب إلا بقدر ما يحمل من هذه السجايا، وهذا رأى
يذكرنا سريعًا بفلسفة أفلاطون وخاصة نظرية المثل التي تقابل المخلوقات والتي يختلف
حظها من الكمال فيختلف حظ الناس منه تبعًا لذلك وتتفاوت أقدارهم بقدر ما فيهم من
كمالات.
لما كانت هذه الصفات الكاملة كثيرة متباينة سعى العقل – كعادته – إلى الكشف
عن الوحدة المشتركة فيها بحث عن الأصل الأول لجميع هذه الكماليات ووجد ضالته في
" الله " فالله هو أصل الكمالات وهو – تبعًا لقرﺑﻬا منه أو بعدها عنه. نحب الملائكة فالناس
فالحيوان وهكذا. ومنه يتبادر إلى الحب.
وهنا يتبادر إلى الذهن اعتراض وجيه: إذا كنا نحب الكمال في المحبوب فكيف يتأتى
لنا أن نحب ما هو بعيد كل البعد عن الكمال ؟ ويرد أصحاب هذا الرأي أن الخطأ يأتي
من أن الحب لم يأخذ مجراه الطبيعي وأنه يأتي مما يضلل عين المحب عن الحب الصادق
وليس من الحب نفسه فإذا صدفت نفس عن الحب السامي فالذنب ذنب النفس، يعزون
الفساد إلى النفس البشرية ويذهبون مذاهب مختلفة في تعليل منشأ هذا الفساد فيعلله رسوبًا
ﻟﻤﺠتمع وتعلله الافلاطونية الحديثة باتصال النفس بالجسد وغير ذلك بما لا يدخل في نطاق
بحثنا، وأنك إذا رحضت نفسك مما يعلق ﺑﻬا من جراثيم الفساد خلصت للحب الكامل
وخلص الحب للكمال والخير.
تجمع هذه الآراء – كما ترى – على أن سر الحب في المحبوب سواء أكان ذلك
لسحر كامن فيه أو صفة كمال يتحلى ﺑﻬا أو كان لقربه من الله أصل الكمالات.
ثم كان لتقدم علم النفس واستقلاله عن الفلسفة أثر قوى في فهم الحب ودراسته لأن
علم النفس الحديث يدرس الظاهرات النفسية دراسة علمية والحب عنده ظاهرة ذاتية تتعلق
بنفس المحب لا بنفس المحبوب كما رأينا عند أصحاب المذاهب السابقة، ولذلك عنى
علماؤه بنقد فلسفة الحب السابقة. فمثلا الفلاسفة السابقون كانوا يعزون أخطاء الحب
إلى فساد النفس ويعتبرون الخطأ شذوذا وأن الحب الطبيعي يسير دائمًا في طريق الكمال
فيقول المعترضون أن الخطأ في الحب ليس عرضًا وشذوذًا ولكنه من صميم جوهره فلا
يسمى عاشق من يحب المرآة بقدر ما فيها من جمال ولا يسمى بخيل من يعشق المال بقدر
ما فيه من منفعة إنما العاشق هو الذي يحب المرآة فوق ما تستحق أضعافًا بل هو يحبها
أحيانًا عن غير استحقاق وإنما البخيل هو الذي يحب المال حبًا جمًا أضعاف أضعاف ما
تتطلب المنفعة، فالحب كما يقال أعمى وفيه لوثة جنون لأنه يتوهم الجمال حيث لا جمال
ويبالغ في تقديره إذا وجد فلا يقال بعد ذلك أن أصل الحب في المحبوب بل أننا نقدر
الشيء تبعًا لهوانا من غير تدخل جدارة الشيء أو عدم جدارته. ويقول هؤلاء العلماء أن
الحب وثبة نفسية ماهيتها أن تمتلك ما تظنه يشبع هواك فما اصل هذه الرغبة ؟ لو كنا
نستطيع أن نحلل النفس تحلي ً لا وافيًا لما خفي علينا من أمرها شيء ولفهمنا أصل الحب حق
الفهم ولكن أمر النفس مبهم وعلى هذا فمعرفة أصل الحب لا يمكن إلا أن تكون تقريبية
ماسة لبعض جوانبه، قد يكون الأمر في الحيوان سه ً لا لأن حياته النفسية بسيطة تسير على
وتيرة واحدة وتتحكم فيها الغرائز، أما نفس الإنسان فراقية معقدة أشد تعقيد، نعم قد
يمكن التكلم عن " حب الإنسان " بوجه عام كأنه موضع يخضع للأحكام العامة فتصدق
بعض الصدق ولكن الواقع أن الحب فردى ذاتي وأن كل فرد يختص بنوع من الحب
ولذلك فطريقه الروائي الذي يريد أن يحكى قصة غرام شخص ما أن يبدأ بسرد تفاصيل
حياته الاجتماعية والنفسية لأنه يعلم بداهة أن حبه يلحق بزاته ويتبع طبيعته الخفية.
مهد ما هدى إليه علم النفس الطريق لتفسير جديد للحب هو تفسير المذهب
التصوري فهو يرى أن الحب يوجد قبل وجود موضوعه وبعده وأن أدى ظاهر التفكير إلى
عكس ذلك لأنه لا يشاهد حب وهو ملتحم بموضوع، والدليل على ذلك أحلام اليقظة
فكثيرا ما نحلم بالحب من غير أن نحسن وبموضوع الحب نفسه، و يبدو الأمر أكثر
وضوحًا عندما تريد النفس عن التعلق ﺑﻬوى ما فنحسه جثه هامدة بعد أن كان شرارة
حياة وقادة، وعندما يخلف الكره الحب بعد أن يخيب أمل العاشق فيما يعشق وينكشف
فإذا به عار عن كل ما يحببه إلى النفس، فالحب هنا موجود ولكنه لا يجد ما يروى غلته، و
الحب إذن يخلق ما في موضوعه من جمال هذا على الرأي ومن النادر جدًا أن يوجد في
الحبيب بعض ما نضيفه إليه من السجايا أليس قد نكرهه فلا نرى فيه شيئا من الجمال ؟
فالحب يبدأ كذبه علينا إذا استقر على شيء ما ورأى المذهب التصوري عن الحب متأثر
جدًا برأيه من المعرفة فهو يقول أن كل محصول معرفتنا عبارة عن صور قائمة بنفسنا لا
نكاد نشك في حقيقة ما نتصور أنه يقابلها في العالم الخارجي، ولكن كيف يجوز لنا أن
نستوثق من ذلك ؟ من يدرينا أن الصورة التي في نفسي يقابلها موضوع في الخارج مقابلة
العلة للمعلول ؟ ويقرر المذهب أننا لا نعرف إلا هذه الصور وعلى نفس المنطق يقول أن
الحب عاطفة نفسية مستقلة عن كل موضوع خارجي، وهي ابعد ما تكون تأثرا بأي
شيء خارجي بل على العكس فهي تؤثر في الأشياء وتكيفها على حسب مشيئتها. وكان
من نتيجة الاعتقاد ﺑﻬذا الرأي أن جنح أصحابه إلى التشاؤم ودعوا إلى مقاطعة الحب، لان
فلسفتهم كشفت لهم عما يعبد الناس من آلهة وخير وجمال فإذا ﺑﻬا أصنام وخدع وأوهام
وإذا كان ذلك كذالك فمن العبث أن نحب أو نبجل خضوعًا منا لعاطفة الجبن التي ترضى
أن تنخدع بسعادة مزيفه، ولكن التفسير التصوري للحب يعجز عن تعليل الاختيار في
الحب: قد يخدعك الحب في امرأة ولكن لماذا يخدعك في امرأة بعينها دون سواها أليس
يشعر هذا بأن للمرآة نفسها تأثيرا ما ؟ ثم كيف تعلل الحب المتبادل بين شخصين ؟
تبقى جماعة من الماديين لا يرضون عن هذه النظريات السابقة لأﻧﻬم لا يقبلون
الأبحاث الفلسفية اﻟﻤﺠردة ويميلون إلى تفسير كل شيء تفسيرًا ماديًا ويعنون بتفسير
الظاهرات النفسية بإرجاعها للعوامل الفسيولوجية والبيولوجية، وهم يرجعون العواطف
المعقدة إلى أصول بسيطة يسموﻧﻬا الميول فالشراهة مث ً لا ليست عندهم حب الطعام المفرط
ولكنها ظاهرة ﻧﻬائية للميل الغذائي والحب هنا هو ﻧﻬاية الميل للتناسل، ولكن كيف السبيل
إلى إغفال هذه الحقيقة الواقعة وهي أن الحب قد يوجد من غير أن تمازجه فكرة الميل
للتناسل كما هي الحال في الشذوذ الجنسي والحب الافلاطونى، نعم قد يرد على ذلك بأن
اﻟﻤﺠتمع هو الذي يفسر الطبيعة وأن الشذوذ مث ً لا قد يأتي من التربية الفاسدة أو الظروف
القاسية ولكن العلماء يقولون أن الشذوذ يوجد في كل الطبيعة الحيوانية.
الحق أن أي نظرية من هذه النظريات لا يمكن أن تكفي لتفسير الحب لأن ك ً لا منها
– مع عدم إنكار ما تحوى من تعمق في التفكير – تبحثه من ناحية واحدة فتفسره تفسيرا
بسيطًا لا يتناسب وتعقد عاطفته فهو إما ظاهره ذاتية فقط أو موضوعية بحته أو سحرية لا
غير أو أنه ظاهرة بيولوجية والحق أن الحب عاطفة مركبة بل هي أعقد العواطف جميعها
ولا عجب فهو محور الوجود الحي والحقيقة أنه لا يوجد إنسان لا يحدوه في عمله حب ما
سواء في طفولته أو شبابه أو كهولته أو شيخوخته، كان الحب أداة في يد الحياة تسخرنا به
لأغراضها.
الحب عاطفة معقدة جدًا نجد فيها الميل البيولوجي والوهم الذاتي والجاذب
الموضوعي والإلهام القدسي والسحر الساذج، وأنواع الحب المختلفة تأتى من تغلب أحد
عناصره الكثيرة فقد يغلب على النفس ما في الموضوع فيصير الحب مثليا وقد تغلب أوهام
النفس فيصير جنونا وقد تتحكم الغريزة فيكون شهويا وهكذا مما لا يحصره عد.
لعل نوع الحب الذي يمنحه قلب الشخص يدل أقوى الدلالة على نفسيته وأسلوﺑﻬا
في الحياة ويكشف عن شخصيته وما فيها من قوة أو ضعف سمو أو انحطاط فالحب على
هذا مفتاح سرى نستطيع – مع التأمل وحسن الفهم – أن نلج به مغلق النفوس.

ثلاثة من أدبائنا-نجيب محفوظ

كتبها:نجيب محفوظ
نشرتها:المجلة الجديدة
تاريخ النشر:فبراير 1934


ثلاثة من أدبائنا

تكاد ﻧﻬضتنا الأدبية تودع عصر الانتقال لكي تستقبل عصرا جديدًا ثابت الأسس
واضح الأغراض، ولقد قام ﺑﻬذا العمل العظيم، عمل الانتقال والتوجيه، أدباء كبار ما
زالوا يغذون أدبنا بنفثات حارة من أرواحهم السامية، ولو أردنا أن نوفي كلا منهم حقه
لطال بنا المقال إلى غير ﻧﻬاية ولكنما نريد أن نتكلم على ثلاثة منهم نرى أﻧﻬم الممثلون
لنهضتنا في نواحيها المختلفة، ولسنا نتحدث عنهم كنقاد أو مؤرخين وإنما كقراء اتصلت
نفوسهم بنفوسهم زمنا طوي ً لا وتأثرت ﺑﻬا تأثيرا كبيرا هؤلاء الثلاثة هم: العقاد وطه حسين
وسلامة موسى
العقاد: العقاد هو رجل البداهة، ونقصد بالبداهة الفطرة البصيرة أو الإحساس
الصادق أو الطبع السليم، ونقصد بذلك تلك الموهبة الطبيعية التي تنفذ إلى الحقائق فتعرف
ماهياﺗﻬا، وهي درجة من الكمال يبلغها الصوفي بالاجتهاد ويحوزها الفنان بفطرته وطبعه،
وإذا أردت أن تتحقق مما نقول فاقرأ شعر العقاد – والعقاد في نظرنا شاعر فنان قبل كل
شيء – فمن أهم مميزاته أنه ليس قشورا سطحية، وليس نغمًا لفظيًا، وإنما هو معنى
عميق تذوقه وتحسه، وتعرف فيه روحًا حيًا يكاد يتحرك ويتغير كلما راجعته، وهذه
خواص النفس التي يعجز العقل والذكاء عن أن يلجأ باﺑﻬا والتي تنفذ إليها البصيرة الحساسة
المرهفة فتلتقطها بما فيها من حياة وغموض.
وأثر الفطرة السليمة يظهر فيما يدعو إليه العقاد من تجديد في الشعر والأدب،
والتجديد عند العقاد ليس هو التجديد عند غيره فنحن نفهم من التجديد عادة أنه الدعوة
لمذهب جديد على حساب مذهب قديم كالدعوة إلى الرياليزم أو الايدياليزم وهكذا ولكن
العقاد لا يدعو إلى مذهب خاص وإنما يثور على التقليد والفناء في الغير ويدعو إلى تحرير
العقل والشعور، اعقل بعقلك واشعر بشعورك، ومثل هذا المبدأ يتناقض مع الدعوة إلى
مذهب معين، لأن الدعوة إلى مذهب معين هي نوع من التقليد، وأنك إذا قلدت العقاد
فلست من أتباع العقاد ! وهذا الرأي يجعل من الفن حياة كهذه الحياة المتجددة المتغيرة
المطردة السير إلى الأمام، والعقاد يسمو بالأدب إلى الذروة من الكمال والتبجيل وهذا
طبيعي، لأن ملكته ملكة المتصوف وكيف تطلب من المتصوف ألا يبجل معبوده الذي
يوحى إليه بأسرار الغيب ؟
طه حسين: أما طه فهو رجل الذكاء، وهو يظهر في مكانتين من أهم مكاناته،
البساطة والسخرية، وأنك لتقرأ لطه حسين فلا تعثر على كلمة شاذة أو جملة معقدة أو
تعبير ملتو أو فكرة غامضة، وإنما تفهم كل ما يريد أن يفهمك إياه وأنت مرتاح سعيد في
نشوة وصفاء، وليست هذه السهولة مما يدل على سهولة الموضوع الذي يعالجه الكاتب أو
على ابتذاله وكأﻧﻬا دلالة على الذكاء النافذ، الذكاء الرياضي – أو الذكاء الفرنسي أن
شئت – الذي لا يطيق الغموض أو التعقيد والذي يعطى محصوله بسيطًا بساطة البديهيات
الرياضية وأن كان تمثيله وهضمه من أعسر الأمور، فهذا هو السهل الممتنع حقًا
أما السخرية فشديدة الوضوح في أسلوب طه وتصويره للأمور، وهي في ماهيتها
جمع للمتناقضات عن طريق الإشارة الخفية واللمحة البعيدة وقوامها قوة الملاحظة والانتباه
الشديدين
والذكاء يؤدى للشك وقد كان الشك أساس البحث عند طه حسين، ذلك
البحث القيم الذي صار نموذجًا للمفكرين والذي أحدث أثرا كبيرا في بعث الآثار الأدبية
الإسلامية.
سلامة موسى: يمتاز الأستاذ سلامة بتفكير عملي، ومن شأن هذا التفكير ألا
يكترث كثيرا للنظريات ألا يركن إلى النظر اﻟﻤﺠرد والتأمل الفني، وكل ما يهمه من النظرية
أن يطبقها، لأن همه منصب على الحياة وعلى الكمال في هذه الحياة، والإنسان لا يذكر
الأستاذ سلامة حتى يذكر داروين ونظرية التطور، ولهذه النظرية اثر بالغ في نفس الأستاذ
وهي اصل مثله العليا للإنسان والحياة الاجتماعية، واهم شاغل له هو الإصلاح
الاجتماعي وله جولات عظيمة وتضحيات كبيرة في سبيل التجديد الديني وتحرير المرآة
ورقى الفلاح والعامل، وقد كان الداعي الأول إلى الوطنية الاقتصادية وكان لدعوته اثر
كبير في نفوس الشبان مما نرى مظاهرة قوية حية يطرد نموها يومًا بعد يوم. وعلى العموم
فهو مجدد أدبي كبير إلا أنه لا ينظر للأدب كغاية وإنما كوسيلة الإصلاح والرقى في اﻟﻤﺠتمع
والحياة.
وطريقته في الدعوة ليست عن سبيل المنطق والجدل بقدر ما هي عن سبيل علم
النفس، فهو يقرر ما يريد في عبارات قصيرة واضحة ويكررها كثيرا حتى تثبت في النفس
وتصير كإحدى عناصرها الموجهة، ولذلك ترسخ مبادئه في النفوس وتؤثر في أعدائه قبل
أنصاره
* * *
أحب ألا تفهم مما كتبت أن هذه المميزات التي أضفتها إلى هؤلاء الكتاب هي كل
مالهم وإنما هي التي تبرز فيه، م وهل ينكر إنسان أن للعقاد أبحاثًا هي مثال التفكير المستقيم
والعبقرية الفكرية ؟ وهل ينكر أحد أن لطه حسين آثارا أدبية بلغت الذروة في جمالها
وقوﺗﻬا وهل ينقر قارئ أن لسلامه موسى مقالات وكتبًا في النقد كخير ما كتب في هذه
المواضيع ؟
أما إذا أردنا التقسيم والتحليل – وهو طبع العقل – فيحق لنا أن نقول أن العقاد هو
روح النهضة الأدبية وطه حسين عقلها وسلامه موسى إرادﺗﻬا.

إحتضار معتقدات و تولد معتقدات-نجيب محفوظ

كتبها:نجيب محفوظ
نشرتها:المجلة الجديدة-العدد الثانى
بتاريخ:أكتوبر 1930

إحتضار معتقدات وتولد معتقدات

قامت المدنيات القديمة على معتقدات قوية – كما يقول جوستاف لوبون – سواء
كانت هذه المعتقدات دينية أم سياسية وبقيت هذه المدنيات قوية الدعائم متينة البنيان لأن
المعتقدات التي تأسست عليها كانت متأصلة في النفوس وفي مأمن من البحث والنقد الذين
يولدان الشك والريبة. وهذه المعتقدات قد تضمنت أخطاء وخرافات لا يقبلها العقل بحال
من الأحوال وأن اطمأنت إليها المشاعر في أغلب الأحوال. وإذا خالط الشك النفوس في
معتقد ما وكان هذا المعتقد أساسًا لمدينته فقد أن الأوان لاﻧﻬيارهما معًا ونحن نشاهد – في
عصرنا هذا – أن جميع العقائد القديمة التي اطمأنت لها النفوس أجيالا طويلة أخذت
تتزعزع رويدًا رويدًا وتتزحزح عن مكانتها الأولى شيئًا فشيئا.
والإنسان بطبعه وبحكم العاطفة الدينية التي تملأ جوانب نفسه يتشوف دائمًا لمعتقد
يسلم إليه نفسه وإيمانه ولهذا نجده يعتنق المذاهب الاجتماعية والآراء السياسية ويبذل في
سبيلها من نفسه ما كان يبذل سلفه القديم في سبيل الله أو قيصر، غير أن رأيًا من هذه
الآراء أو مذهبًا من هذه المذاهب لم يستقر بعد في النفوس كما استقرت الآراء والمذاهب
القديمة ولم ينطبع بذلك الطابع الديني المقدس الذي يجعل بحث المذهب أو نقده كفرًا
وخيانة. فعصرنا فترة بين اعتقادات ومعتقدات تحتضر وتفنى وبين آراء ومذاهب أخرى لم
تستقر استقرارًا تامًا وتأخذ مكانتها من النفوس، فهو عصر اضطراب وتردد لا مثيل لهما
في التاريخ، اضطراب في الآراء التي تتصارع للحياة والاستقرار والفوز وتردد بين مذاهب
يناقض بعضها البعض الآخر ويحاول القوى منها محو الضعيف المتداعي وهكذا فنحن
نشاهد أنه لا يظهر كتاب يدعو لعقيدة من العقائد حتى يظهر آخر يسخف هذه العقيدة
وينحى عليها أشد الأنحاء ثم لا يلبث أن يؤلف ثالث يتوسط الرأيين المتناقضين برأي ثالث
وهكذا
ليس ثمة شك في أن استقرار الحياة وثبات المدنيات وسير الأمور في مجراها الطبيعي
خير من ذلك الاضطراب المروع. ولكننا مع ذلك لا نبتئس بقروب زوال المعتقدات البالية
ولا ندعو المفكرين إلى الكف عن بحثها ونقدها لتتحفظ بما لها من القدسية والمهابة
ولتضمن لنا حياة هادئة وديعة، ذلك لأننا نعتقد بأن هذا الاضطراب نتيجة لا حيد عنها
تحدثها الطبيعة لتقدم العمران كما نعتقد أنه مظهر للتقدم العقلي ومقياس صادق للتطور
الذي يطرأ عليه بين حين وآخر. فالعقل يهدم المعتنقات القديمة لأنه أصبح لا يسيغها أو
لأنه ارتقى لدرجة أصبح نقده لهذه المعتنقات فيها ضرورة لازمة لا دخل فيها للاختيار
والتدبر. ومثله في ذلك مثل الشيب الذي يعلو الرأس إذا ما كبر الإنسان، وعليه فمناهضة
الحركات التجديدية إنما هي مناهضة لإحدى سنن الطبيعة التي لا تناهض ولا تغلب
ونحن أيضًا نتشاءم من تزعزع الإيمان بالمعتقدات القديمة ولا نميل إلى التسليم بأن
عاقبة ذلك خراب العالم كما يدعى كثير من المتشائمين. وكل ما في الأمر أن هو إلا
ترميم في الأساس أو هو بنيان أساس جديد متين لا نتسرع في تشيده بل نترك ذلك
للتطور والزمان وهما كفيلان بأن يحققا لنا ما نحلم به من غير أن نلجأ إلى الثورات التي
تفوز بالمرغوب وتقهر الزمان في الظاهر بينما هي في الحقيقة والواقع ليست إلا تخريبًا
واضطرابًا لا يسفران إلا عن تقهقر ورجوع إلى نقطة الابتداء.
وهذه العجالة في وصف ما طرأ من الاضطراب على معتقداتنا تفسر لنا بعض
التفسير ذلك التطور الهائل الذي نلحظه في الآداب.
ففي الزمن الماضي يوم كانت الاعتقادات القديمة سائدة مستحوذة على المشاعر
والنفوس يتأثر ﺑﻬا الخاصة كما يتأثر ﺑﻬا العامة كان الأدباء – بكتبهم وقصصهم – يعبرون
أصدق تعبير عما يتأثرون به من المعتقدات، ويكفيك لتقتنع بذلك أن تجيل نظرة في تلك
اﻟﻤﺠلدات الضخمة التي كتبت عقب ظهور الإسلام لتشرح نصوصه الدينية أو لتجمع
أحاديث النبي وتفسرها بل يكفيك أن تقرأ دواوين بعض الشعراء ممن لم يكن لهم هم إلا
نظم الحكم الدينية أو مدح النبي أو التغزل الإلهي.
والأمر لا يختلف في الدين عنه في الاجتماع والسياسة فكثيرا ما ألفت الكتب
والقصص لتأييد مذهب أو نصر مبدأ أو بث دعوة.
فلما أخذت الاعتقادات القديمة في الفناء وأخذ العقل يسلط نوره عليها فيظهر من
عيوﺑﻬا ويكشف عن سوءاﺗﻬا التي عاشت ورسخت في النفوس أجيالا كحقائق لأمراء فيها،
ولا جدال ولما حل الشك محل الإيمان، تأثر الأدباء بذلك التطور الذين هم من أكبر
دعاته ومؤيديه بما يؤلفون من كتب تحمل على القديم تحاول أن تأتى عليه وتخلصنا من
استعباده ورقه. وكان من نتيجة ذلك أن أصبحت بين أيدينا مجموعة وافية من الكتب
والقصص تبعث قراءﺗﻬا على الشك في الماضي بآرائه ومعتقداته أو تدعو لمذهب جديد
كالاشتراكية والعالمية وغير هما، والذي يجدر بنا أن نلاحظه هو أن جميع الأديان الجديدة
ترمى إلى اتحاد العالم وإزالة الفروق الوطنية وهي تتفق في ذلك مع الأديان القديمة مثل
المسيحية والإسلام ولكنها تزيد على ذلك فيدعو بعضها إلى إزالة فوارق الطبقات المادية.
ولو أننا أردنا أن نتنبأ بالمذهب الذي سوف يكون له الفوز من بين المذاهب لقلنا –
أو لأحببنا أن نقول – بأنه مذهب الاشتراكية، وذلك لأﻧﻬا تستهوى بوعودها أفئدة
الساخطين المتذمرين والفقراء وهم السواد الأعظم من سكان العالم ولأﻧﻬا تسد النقص
الملموس الناتج عن التقدم العلمي وظهور المخترعات و الآلات، و لأﻧﻬا وسط بين نظامين
يتأفف منهما المتدينون وهما الشيوعية والفردية. وقد أخذت منهما حسناﺗﻬما ونفضت
عنها نقائصها الظاهرة.
وهنالك أسباب كثيرة أخرى تجعلنا نكاد نوقن بأن المستقبل للاشتراكية ولكن بحثها
الآن لا يعنينا
ثم لا يفوننا أن نذكر أن سعادة الاشتراكية الموعودة دنيوية تنال في هذه الحياة لا في
حياة أخرى وأﻧﻬا لذلك قد تعجز – لسبب من الأسباب – عن أنجاز وعودها تامة كاملة
وعلية فينفض من حولها أعظم مؤيديها حماسة ونشاطا. ولكنا لا ننسى كذلك أن الكمال
في الدنيا ضرب من المستحيلات وأنه وأن كانت الاشتراكية لن توصلنا لحالة من النعيم لا
مطلب خلفها ألا أﻧﻬا تستطيع أن تنتشلنا من حالتنا هذه إلى خير منها، و ليست
الاشتراكية ﻧﻬاية ما يمكن أن يتطور إليه النظام الاجتماعي وعلية فالتطلع للأحسن سيدفعنا
دائمًا للتنقيب عما فيه سعادتنا ورفاهيتنا.
وجمله ما أريد أن أقوله عن هذا الأمر أنه لو خاب أملنا في الاشتراكية بعض الخيبة
فليس معنى ذلك أننا نرغب في الرجوع إلى حالتنا الأولى السيئة – الحالة الحاضرة – أنما
يجعلنا ذلك نزيد إيمانا بالتطور الذي هو الخالق الوحيد للاشتراكية وغيرها من الآراء
والعقائد।
_________________________________________________________________
ملحوظة هامة
هذه المقالة و مثيلاتها لا تعبر بأى صورة من الصور عن رأيى أو توجهاتى الفكرية أو اتفاقى مع أى ايدلوجية تعبر عنها
و انما الهدف من عرضها هو توفير مثل هذه المواد للباحثين و الدارسين و المهتمين بالمجال
و الله من وراء القصد
تحياتى,,